أقرب من الأول

انقلبت حياة فرح ابو العزم رأساً على عقب عندما علمت بإصابة أبيها بمرض يهدد حياته. في فترة قصيرة، مرت عليها مشاعر كثيرة ما بين الألم والعجز و لكن دوماً ما صاحبها حب يزيد ويتجسد.

أنتجت هذه الحلقة نادين شاكر، بدعم تحريري من شهد بني عودة، شهد الطخيم، هبة عفيفي، دانا بالوط، هبة فيشر. تصميم صوتي وتأليف موسيقي لمحمد خريزات. برنامج بحب من إنتاج شبكة كيرنينج كلتشرز.

يمكنكم دعم هذا البرنامج عبر patreon.com/kerningcultures بمبلغ يبدأ من دولار واحد في الشهر.

Support the show: https://www.patreon.com/kerningcultures

Transcript

Click to Expand

(المقدمة)

شهد بني عودة: حلقتنا اليوم صعبة شوي، بتحكي عن آخر وأصعب فصل في أي علاقة. عن فقدان شخص بنحبه، وعن معاصرتنا تفاصيل مراحل نهاية حياته. كيف بنحس واحنا بنشوف شخص بنحبه كتير بيتغير أو بيضعف أو بيعاني في نهاية حياته؟ وكيف نتعامل مع هذا الفقدان؟ وكيف بتتطور علاقتنا معه خلال كل المراحل هاي وحتى بعدها؟

معدة حلقتنا اليوم نادين شاكر من مصر، نادين اختارت تحكي عن فقدان الأب، الظهر، السند، وفقده إله مرارة كتير كبيرة ومختلفة عن فقدان أي شخص آخر. خلينا نسمع…  

نادين شاكر: دايما بيتقال ان علاقة أي بنت وباباها فريدة جدا من نوعها. في حاجة بتتكون ما بينهم مبتتوصفش، .ففي الغالب الأب بيكون في خيال بنته الراعي الأول والأكبر ليها…السوبرمان…الملجأ. ده أقرب وصف لعلاقة فرح ابو العزم بباباها…. 

فرح أبو العزم: حنين جدا، احن واحد، كل الناس عارفة، بابايا على أنه كان عصبي، وهو طبعًا عنده الشغل بتاعه، فهوone man show هو المسيطر على كل حاجة وشغله هو اللي بدأوا من الصفر يعني. مكافح قوي قوي، فكان على قد أن هو مسيطر وعارف كل حاجة وفاهم كل حاجه الا انه بني آدم حنين جداً، يعصب عليه حد في الشارع قاعد بمنديل، يعني تحسي انه هو قلبه رهيّف قوي. 

(موسيقى المقدمة)

فرح: واحنا صغيرين مثلا لما كنت مرة رحت قلتله، دي من اكتر القصص اللي بتضحكني في الدنيا، رحت قلتله امانة وانا في المدرسة صاحبتها مكانتش عايزاني ألعب معاها، تأثر جدًا وكان شبه حيعيط، واوعي اختك تقولك بعد كدة تلعبي معاها و مترضيش! اوعي توقفي مع حد غير أختك!

أنا اسمي فرح أبو العزم، احنا 3 بنات بس، قريبين من بعض جدًا. انا علاقتي… عامةً احنا علاقتنا ببابا، هو بيحب البنات جدًا جدًا، وكان على طول اكتر حاجة انا فاكراها له انه هو مكنش بيعاملنا على اننا بنات صغيرين ومش هنعرف، لأ خالص، تمامًا.. أنا فاكرة ان انا في المدرسة لما كان بيبقى فيه، مثلا لما كان بيبقى عندى 10- 12 سنة وفيه حاجة في المدرسة مضايقاني، كنت أعرف على طول ان هو هياخد صفي، عمره ما كان بياخد صف حد ضدنا أبداً، ولا يحسسك انك صغيرة قدام حد، ولا يصغرك قدام حد. هو اداني ثقة انه مهما حصل انا هعرف اعمل كل حاجة لوحدي. يعني أنا كنت بسافر معاه وأنا صغيرة خالص فكانت المغامرات اللي بيني وبينه في السفر كتير جداً.

مامتي قالتلي ان بابا تعبان، تعبان ع اساس انه هو سخن و ظهره يوجعه وكدة، فانا رحت مكلماه وقلتله ايه يا بابا؟ مالك؟ ….انا فاكراه بقى بيدلع، لأنه هو لما بيعيا بقى زي اي راجل تحسي انه هو حينام في السرير حبة حلوين..

نادين: وبعد زيارات للدكاترة ولف على المستشفيات، عرفت فرح وعائلتها ان اباها مصاب بسرطان الكبد. 

فرح: عارفة تحسي انتي.. انا مش سامعه أي حاجة، في صوت صفارة في ودني. عنده ورم كبير على الكبد، وللأسف هو في مرحلة متأخرة جدًا.

نادين: وعشان كده حتى العلاج الكيماوي مكنش هينفع

فرح: انا لبست وانا في حالة من، متنملة، عندي تنميل في كل حاجة. مش فاكرة اصلا لبست ايه، بس انا فاكرة ان انا من هنا لحد البيت عند ماما 8 دقايق مشي، سمعت اغنية انا حاسة انها كانت… مش عارفة، بس انا كل مرة أسمعها أفتكر الموقف دا، لأن انا كنت ماشية أطول مسافة واكتر حاجة عمال أفكر فيها اللي هو…. لا  ماهو ماينفعش…. فاهمة؟

نادين: الأغنية اللي كانت بتسيطر على كل شعور فرح في الوقت ده كان اسمها “The World We Knew” لفرانك سيناترا، أو بالعربي، العالم كما نعرفه 

فرح: لحد النهاردة الاغنية اللي بقعد اسمعها ببقى حاسة اللي هو…. هي كانت بتوصف بالزبط الحالة اللي انا فيها، او بتوصف بابا تقريبًا، أو بتوصف… متعرفيش بقى. 

(أغنية فرانك سيناترا في الخلفية)

نادين: قررت فرح انها تتجاهل كل اللي في حياتها وحطت شغلها الخاص على جنب و قررت تنقل لبيت باباها عشان ترعاه

فرح: فلما حصل الموضوع بتاع بابا ده حسيت ان حياتي اتقلبت 180 درجة، يعني… فكرة ان انا اصحى الصبح مش عارفه انا هعمل ايه ولا متوقعة ايه من اليوم دا كان بالنسبالي كأنه كابوس. عامةً احنا كان بابايا بيصحى الصبح بدري قوي، بيصحى الساعة 5 او 6 الصبح، كنا بنصحى الصبح هو بيبقى فطر تقريبًا.فكنت بصحى الصبح أروح اقعد معاه في الاوضة، كان بيبقى عايز على طول لازم حد يبقى قاعد معاه يعني يسليه كدة. فنشغل بقى التلفزيون نتفرج على حاجة سوا، نقعد بقى نتكلم على أي حد…. فكان بيبقى على طول عايزنا قاعدين معاه يعني، على قد ما نقدر، وقاعدين معاه فوق السرير، اللي هو مثلا لأ تعالوا اقعدوا معايا جنبي هنا.

(تسجيل قصير لأغاني قديمة على الراديو وفرح بتقول انه كان بيحب الراديو)

فرح: كنت انا بحلق له دقنه، كان بيخاف قوي ويقعد يقولي لالا، بس خلي بالك بقى، فحلقت له دقني فقالي برافو عليكي شاطرة، هاتي بس كدة المراية، هو كان بقى لازم يركز قوي، آه لا كويس، اوعي بس تعوريني، أقلله والله العظيم ما هعورك، هعورك قصد يعني؟ 

نادين: في الفترة دي فرح كانت بتحب تصور باباها كتير، ده صوته وهو بيهزر مع ابن اختها.

(تسجيل صوتي وهو يلعب مع ابن اختها)

فرح: بنتابع حاجات في الشغل، لأنه هو كان لازم يبقى متابع الموضوع، وانا كنت على ما بقدر كنت ببقى حاسة ان انا لازم افهم، لازم الفترة دي ابقى عارفه انا هعمل ايه!

نادين: فرح قررت في الفترة دي إنها  تشيل مسؤولية الشغل أكتر مع باباها فكانت تسأله أسئلة كتيرة وتحاول تعرف بالقدر المستطاع عن كل تفاصيل شعله.

فرح: كنت بساعده في الشغل ان انا بحاول افهمه، يعني انا شغل بابا بالنسبالي بابا هو اللي بيشتغل، انا معلوماتي عن الشغل حاجات بسيطة من وقت ما كنت بسافر معاه، وفي نفس الوقت مش عارفة الحاجات، فكنت ببقى احاول أفهم على قد ما أقدر، أسأل أسئلة كتير. كان بيقعد يشرح حاجات، وكان في حاجات اللي هو كان بيبقى زهق بقى مني ف اللي هو ايه، طب استنى هقولك بعدين، هقولك بعدين، هو نفسه مكسل تقريبًا يحكي.

نادين: فرح دلوقتي هي اللي بتدير شركة باباها بس في الفترة دي هي كانت عايشة في حالة نكران مستمرتش كتير بسبب سرعة تدهور حالته بباها. المكملات للأسف اللي كان بياخدها مكنتش كافية وتوقعات الدكاترة ليه ابتدت تتحقق قدام عنيها

فرح: فعلا تحسي كأن الدكتور لما قال من 3- 4 شهور هو الجسم شغال على أنه خلال 4 شهور انا مش هكمل اكتر من كدة، التغيرات اللي بتحصل سريعة جدًا، يعني انا عمالة اتطلع على الانترنت، ناس الكبد دا، خصوصًا انه هو مسؤول عن السموم في الجسد، هو السموم في الجسم دي لو الكبد ماتخلصش منها هي بتطلع على بقية الجسم وبتموتي، مفيش حاجة تانية يعني، مفيش اوبشن تاني. 

يعني انا مثلا رحت مرة لبابا، هو طبعًا الكبد لأنه بيخلي الواحد نايم معظم الوقت، فتبقى مثلا شايفاه النهاردة كويس جدًا ومفيهوش أي حاجة وكدة بس طبعًا ممكن تاني يوم تلاقيه تعبان، مش قادر يتحرك، مش قادر يتكلم.. فكنت ببقى حاسة اللي هو قعدته في البيت دي ان هو نايم كدة دي حاجة كأنها عذاب ليه. والفترة بقى اللي بتشوفي فيها حالته فيها بت… فعلاً بقى اللي هو ايه؟ لأ يعني باين عليه انه هو تعبان بقى بجد، يعني انا فيه يوم كدة هو كان رايح المستشفى، وكان تعبان قوي، وبعد كدة حطوه على تنفس صناعي في المستشفى، دخلت وانا مكنتش عارفة انه هو عالتنفس الصناعي، شفته وبعد كدة حسيت “دا بابا!!” ، “هو دا بابا يا جماعة؟!!”.. ف لحد بقى ما كان… قعدنا بقى الفترة اللي هي ابتاعت ديسمبر يناير، في ديسمبر كان عيد ميلاد ابن اختي، تم كان وقتها 4 سنين

(تسجيل للحفلة)

فرح: وبعد كده انا مصورة فيديو عنيه كلها بتقول او عارفة تحسي انه هو ايه! هو عمال بياخد لقطة لكل واحد، أو هو حاسس انه هو دا اخر عيد ميلاد ليه، فلحد النهاردة عندي الصوره دي. نظرته! أولًا هو كان بيدمع، هو كان سهل انه هو يعيط، يتأثر بسرعة قوي، ف كنت كل ما اشوف الصورة دي بقى أحس انه هو كان حاسس بإيه؟! يعني هو واحد عارف انه هو قريب حيموت، احساسه ايه؟ أكيد احساس غريب جدًا.  

جات بقى الفترة اللي هو مثلا قبل ما يتوفى أول شهر واحد كدة لحد شهر 3، طلع بقى بيبان عليه قوي، خاسس قوي، خس مثلا بتاع 15 كيلو ولا حاجة، مش قادر يقوم يدخل التواليت، مش قادر يستحمى

(بريك – Break)

نادين: قبل الفاصل، فرح كانت بتحكيلنا عن باباها في المراحل المتأخرة للمرض. ابتدت فرح تشوف في منامها كوابيس وأحلام تنبئ بقرب معاد باباها

فرح: وانا كنت قبلها حلمت ان انا جدي قاعد مع بابا، هما الاتنين قاعدين على نفس الطربيزة سوا وبيتكلموا كأنهم في زي مكتب او حاجة… انا جدي مات في مارس 2013، فانا حسيت انه هو بابا حيموت في مارس برضو. لما حد بيبقى قاعد مع حد عايش معنى كدة انه هو حيموت، او دا اللي انا فاهماه، او دا اللي انا قريته. بس انا قلت لماما قالتلي دا معنى كدة ان بابا حيموت قريب، قلتلها وانا عارفة، انا بيتهيألي بابا حيموت في مارس. الوقت ما بيعديش خالص، تمامًا. الأربع شهور من نوفمبر ديسمبر يناير وفبراير ومارس، انا كأنهم عدوا عليا 6 سنين، ما بيعديش حرفيًا، اليوم بسنة فعلا اليوم بسنة، التفاصيل اللي بتحصل في اليوم كتير جدًا، وتحسي ان المود العام اللي في البيت تعب، والشتا كمان كئيب ومطرة وحاجة يعني بؤس..

نادين: لما تتبدل الأدوار ويبقى مقدم الرعاية متلقيها، فده بالنسبة لفرح شيئ غيرها وخلاها تقوم بدور اكبر منها بس كمان كان فيها لحظات حنية وحب  شاركتها مع بباها كانت بتنسيها كل اللي بتمر بيه وبقت ذكرى هتفضل على طول فكراها

فرح: وانا نايمة جنبه ف راح ماسك ايدي كده قالي “انا بحبك قوي يا فرح”… فقلتله “وانا كمان يا بابا، انت عارف طبعًا القلوب عند بعضها”، قالي لأ بس انت جدعة قوي، ف قلتله لأ بس انا طالعة لك…

واحنا قاعدين كنا هو نام شوية، وكان ينام شوية ويصحى وكدة، لما بينام كنت انا بسيبه بروح اقعد بقى في اوضتي انا، ف دخلت الاوضة نمت وحلمت ان انا بابا قدامي وعينه دي عمالة تنزّل كم دم مش عادي… عينه بتنزف يعني، وبعد كده لقيت أم أحمد جاية تقولي فرح تعالي بسرعة احسن بابا تعبان، وقعد يقول انا بردان قوي، انا بردان! عمالين بقى نجيب بطاطين وقربة المية اللي بتبقى سخنة ونحطها وكذا، وبرضو ولا أي حاجة، وبعد كدة ابتدا يجز على اسنانه قوي قوي ومركز قوي كدة في الحيطة، فانا قعدت اقوله في ايه في أسنانك؟ فعمالة بقى أزق بقه، أزق اسنانه، انتي مش متخيلة ازاى قافل على اسنانه، بعمل كدة لقيت صباعي فيها دم. قعدت اقول دم دم. 

نادين: اخواتها ومامتها راحوا على المستشفى لكن فرح مقدرتش.

فرح: عارفه ان هي دي نهاية المسلسل بقى، يعني خلاص بقى، الإسعاف عمالة تعمل في السرينة، ف حاسة اللي هو فيه هدوء كدة مش عادي! فالمهم لحد ما كلمت ماما وبعديها هي راحت قالتلي حطوه، هو دلوقتي على التنفس الصناعي، هي أول ما قالت على التنفس الصناعي وانا عرفت انه هو خلاص، مفيش حد ع التنفس الصناعي بيقوم الا لو هو في مرحلة مختلفة أو حالته أحسن.

نادين: اليوم مبيتنسيش.  ١٩ مارس ٢٠١٨. الأحداث كثيرة، عدت فرح على مراحل الوجع والوداع كلها في مساحة ساعات معدودة

فرح: جم ناس كتير… ولاد خالي بقى والقرايب بقى كلهم وعمال المصنع، وحاجات غريبة بقى، تحسي انه هو ايه دا! هما قاعدين ليه هنا؟! عارفة كدة؟ دخلت بقى ورحت قافلة الباب على نفسي. فرحت اول بقى ما ابتدوا قرايبي يدخلوا كدة قلتلهم انا عايزة ابقى لوحدي. طبعًا بقى داخلين منهارين بقى، انا اصلا مش عارفه اتلم على نفسى من كتر العياط، وبعد كدة عارفة لما تحسي ان انت خلاص مفيش عياط تاني، انا عيطت كل اللي عندي. بعد كدة بقى بابا جيه، يعني كان خلاص بقى احنا المفروض حنروح، جم تحت البيت يعني عندنا، والمفروض حنروح ندفن بقى بابايا… انا شلت بابايا، يعني طلعوه من العرابية فضلت انا شايلاه، مفيش حاجة اسمها اصله معندوش ابن ولد، هنسيب الغرب هم اللي يشيلوا بابا؟ شلته انا. نزلتوا انا تحت، نزلتوا تحت ودفنته.. وحتى انا لما نزلت مامتي نزلت معايا، بس قرايبي البنات كلهم نزلوا، كلهم بلا استثناء.. عارفة تحسي انه هو كأن حد كأنه ايه؟ مفيش حاجة اسمها محدش هينزل تحت، انا اخر مرة اشوف بابايا جسمانيًا، محدش يقولي مش هتنزلي..

لما البنى آدم بيموت بتبقى الفكرة مش فكرة ايه دا هيوحشني بس الفترة دي عشان هو مش موجود.. لأ، عشان هو كل حاجة بتفكرك بيه بطريقة ما، يعني انا مثلا عمري ما كنت اتخيل في الدنيا ان انا اروح مثلا ايكيا افتكر بابا، بس افتكرته عشان كان عايز ستارة كذا.. تحسي ان حاجات بسيطة جدًا بتفكرك بالبني آدم دا، مثلا بتبقى تروحي تشتري مكسرات، ايه دا! دا كان بيحب المكسرات. وبعد كدة مرحلة ان انا بعيط في أي حتة، اللي هو مثلا ابقى في السوبرماركت بجيب حاجة، ايه دا! دا كان بيحبها، أروح معيطة، فالناس مش فاهمة بقى فيه ايه!

يعني انا مثلا حصلي موقف كنت في لندن، سافرت بعد ما بابا توفى بشهرين لندن، وانا طالعة من المترو لقيت واحد قدامي لابس بدلة نسخة من بدلة بابايا، كان عنده بدلة رمادي كدة غامقة بيلبسها، هو دا جسم بابا، هو دا بابا، طلع وبيمد وبتاع وانا بمد وراه وكدة، انا حاسة انه هو دا بابا، يعني انا حخبط عليه كدة حيلف حيبقى هو، لحد بقى ما قربت جنبه رحت عملاله كدة طلع مش هو.

قعدت فترة بروح لدكتورة، بقعد اتكلم معاها وتنصحني، لأن انا الفترة اللي بتبقى بعد ما حد قريب منك قوي بيتوفى، فيه مراحل من مراحل الحزن، الحزن بيبقى فترات، مستويات، كل مستوى مختلف عن التانية. فأنا كان بيبقى بالنسبالي أنا مش عارفة أنا ببالغ ولا انا مخي بيخرّف، ولا أنا… فيه ايه؟ فرحت، قعدت فترة بعد بابا مليش نفس اعمل اي حاجة، عايزة بس ايه؟ أقعد كده، مش عايزة اعمل أي حاجة. وبعد كدة كنت حساسة ومش قادرة حد يقولي… هي اللي حصل ايه؟ اللي حصل الشفت، ان اول ما بابا توفى لحد مثلا بعديها بشهر كنت متقبلة الموضوع وعادي جدًا. لحد بعديها مثلا بشهرين تحسي ان انت لأ، انت كان عندك حالة من النكران كدة، انت كنت فاكرة ان كل حاجة عادية. تيجي ايه بقى؟ تبقى في حالة من الحالات اللي انا صاحية مش عايزة اعمل حاجة، مش قادرة اعمل حاجة، بتعيطي ع الفاضي وعلى المليان، عصبية. اقدر اقول ان انا دلوقتي لأ طبعًا، يعني الحمدلله احسن من الاول بكتير، الحمد لله.

نادين: لما بتفتكريه دلوقتي، بتفتكري ايه بالزبط؟ هل صورته مثلا انه هو عيان؟ قبل ما يعيا لحظات معينة؟

فرح: لأ خالص، انا مبفتكرش… أكتر فترة بفتكرها البابايا عامةً واحنا صغيرين، فترة ما كنا بنسافر سوا، مبفتكرش الحاجات اللي بتزعلني تمامًا، يعني بتبقى قليل قوي، بس سبحان الله بيحصل حاجة في مخك، يعني انت البني آدم اللي بيموت دا كأنه ما بيعملش حاجة وحشة، يعني فعلا ما بتفتكرلوش أي حاجة وحشة، يعني بس! بقعد كل ذكرياتي واحنا صغيرين كان بيعمل ايه، كنا احنا بنسافر فين، بنروح فين، بابايا ومامتي لما كنا بننزل مثلا في الاجازة، قرايبنا… فأنا عامةً بفتكر بابايا بكل الحاجات الحلوة اللي كان بيعملها، يعني الكلام بقى الحلو اللي كان بيقوله، الاغاني اللي كان بيغنيها، اللي بيسمعها في العرابية وكدة.. يعني مش ناس كتير جاتلهم الفرصة انه هما يقعدوا مع حد بيحبوه يقولهم انا بحبك، وبعد كده انا نفسي.. يعني بابا كان مثلا في الايام الاخيرة دي كان يقعد يمسك ايدي ويبوسها، يطبطب عليا.

معنى الحب عامة أو ايه الحب بالنسبالي هو ما بيتوصفش، هو احساس كده ما بيني انا وبابا بالتضحية، مع الحب بقى، مع الوفاء، مع ان انت بتعمليله أي حاجه ترضيه، يعني انت عايزاه يبقى مبسوط وهو عايزك تبقي مبسوطة، ان احنا الاتنين عايزين نريح بعض… هو كوكتيل كدة من كل حاجة حلوة. الحب ممكن يبقى بيتجمع في ناس بتعمل ذكريات حلوة سوا وبيقدروا بعض وبيحبوا بعض وعايشين علشان يسعدوا بعض. انا بابايا بقى كان عايش عشان يسعدنا.

انا اكتر حاجة مقتنعة بيها ان البني ادم لما بيموت هو جسده بس اللي بيبقى ميت، انا بابايا تقريبًا احنا بنفتكره لما مات اكتر لما كان هو عايش، وتحسي انه هو بيبقى معاكى اكتر وهو بروحه، يعني انا ببقى فعلا فعلا لما مثلا حد بيقولي يعني انت متروحيش تزوري باباكي في المدافن بتاعتكوا أو في المقابر؟ أقول لأ، انا بابايا مش محتاج اروح اشوفه اصلا، انا مش… هو بابايا اصلا موجود معانا وعايش معانا وحاسس بينا.

يعني ماما كانت تقولي الميت بيموت لما اهله بينسوه، دا فعلًا، لان هو الذكرى بتاعته وهو متوفي اكتر. يمكن الحاجة بس اللي بتوحشني انه مثلا صوته، اشوفه قدامي، اخده بالحضن، لكن ان انا.. انا ما بقولش اصلا بابا كان بيعمل كذا، بقول بابا بيحب كذا، بابا كذا… يعني انا على طول بتكلم في أنه هو موجود، انا ميقولش بابا الله يرحمه… هو طبعًا الله يرحمه الرحمة دي بتاعت ربنا مش محتاجة اقولها… لكن هو بالنسبالي موجود، حاسة ان انا علاقتي بيه كمان بعد ما توفى بقت اقوى بكتير جدًا من ما هو كان عايش يعني

شهد: هاي الحلقة من “بحب” من إعداد نادين شاكر، التصميم الصوتي والتأليف الموسيقي لمصمم الصوت محمد خريزات. شكر كبير لكل طاقم الفريق للدعم التحريري، دانا بالوط، هبة فيشر، شهد الطخيم، نادين شاكر، مديرة الإنتاج هبة عفيفي وأنا شهد بني عودة مضيفة ومحررة البرنامج.

برنامج بحب من إنتاج شبكة كيرنينج كلتشرز، وثائقياتٌ صوتية من أنحاء الشرق الأوسط تنطلق من الحب بكل أنواعه. 

طلب صغير لكل مستمعينا، إذا حبيتو الحلقة شاركونا تقييمكم واتركوا لنا رأيكم لأن التقييم والرأي بيساهم كتير في إن الناس تلاقينا على منصات بودكاست أكتر. وإذا حبيتو الحلقة شاركوها من أصحابكم، خصوصاً الأصدقاء اللي لسه ما اكتشفوا عالم البودكاست. احكوا لهم عن عالم التدوين الصوتي وعن القصص المتنوعة وعن المحتوى اللي ممكن يلاقوه في هاي المنصات. شكراً للاستماع وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج بحب. 

(تمت – إعلان)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *